إبراهيم بن علي الحصري القيرواني
401
زهر الآداب وثمر الألباب
كريمته ، ويولَّى أمرها غير نفسه ، ورأينا من يجاوز ذلك إلى ألَّا ينكح مستنكحا ، وزاد به العلوّ إلى ترك ما ذكره أولى ؛ وكنا عرفنا حال إنسان تزوّجت أمه ؛ فعظم لذلك همّه ، وانفرد عن أودّائه ، وتوارى عن أصفيائه ؛ حياء من لقائهم ، وكرها لتهنئتهم له أو عزائهم ، واضطرّته الوحشة إلى قصد من ظنّ به منهم المسكة في تحامى خطابه فيما اجتنب لأجله خلَّانه ، وفارق بسببه إخوانه ، وتخيّل ذلك المقصود أنه إنما لجأ إليه ليسلَّيه ؛ فأفاض معه فيما قدّر أنه قصد له من المعنى الذي جعله وحيدا خوف المفاوضة . ثم مضت الأيام واختلف الحال ، ورجع إلى العشرة وأبناء المودّة ؛ فكان عنده من لم يخاطبه أحظى ، وفي نفسه أوفى ، وعلى قلبه أخفّ ، وفي نفسه أشفّ ، ونقم على ذلك الصديق وعتب ؛ إذ لكلّ من الناس - إلا من طاب محتده وطال سؤدده - حال من الإلف والرغبة تحسّن المساوى ، ثم حال من الملل والزّهادة تقبّح المحاسن ؛ واعتذر المتكلَّف من التسلية بما لم يلزمه ، ولم يرده صفيّه ، فإنه فعل ما أوجبته الأخوّة ، وحقوق الخلطة ، وأسباب العشرة ، وانبساط المفاوضة ؛ ودبّت عقارب الظنون والوشاية ، إلى أن خرجا بالملاحاة إلى المعاداة ؛ فلما وقع بعض الناس بينهما من معاودة الحسنى ، ومراجعة الأولى ؛ جاهر هذا الماقت بقرع سنّ الأسف على تخيّل النهى والوقار من الممقوت ، وظاهر الممقوت بتقريع الماقت ، بتزويج أمّه الذي تجشّم من كلامه فيه فضلا ، وتكلَّف من خطابه عليه ما من حسرة خلا ؛ فأفضى الأمر بينهما إلى الأوتار ، وطلب الثّار . فإن اضطرّ إلى القول في هذا المعنى أحد بأمر قاهر من السلطان ، أو حوادث الأزمان ، أو تطارح الإخوان ، فليقل وليكتب ما مثّلنا إن لم يجد منه بدّا : أنت - بفضل اللَّه عليك وإحسان تبصيره إياك - من أهل الدّين ، وخلوص اليقين ، فكما لا تتّبع الشهوة في محظور تبيحه ، فكذا لا تتّبع الأنفة في مباح تحظره ؛ وقد اتّصل بنا اختاره اللَّه والقضاء لذات الحقّ عليك ، المنسوبة - بعد نسبك إليها - إليك ،